محمد غازي عرابي
689
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
ما سميت في الآية قصورا ، ومن هذه القصور قصر المكالمة وغيرها من القصور ، ولقد جعل للنبي كل هذه القصور حتى نزل في قصر قاب قوسين أو أدنى من ربه ، ثم تجاوزه إلى قصر الحقيقة الذاتية حيث صار صورة الأحدية ومرآتها وصوتها ولسانها الناطق . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 11 ] بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) [ الفرقان : 11 ] الساعة انكشاف الحقيقة للعارفين ، وهي الساعة الصغرى ، وفيها يكشف الغطاء عن الإنسان فإذا البصر حديد ، ولقد تحدث سبحانه عن قيام الساعة ، ولولا هذه الساعة ما كان ثم لزوم لخلق البشر ولا لردهم أسفل سافلين ثم عروجهم كنبيهم إلى عليين . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 12 إلى 14 ] إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 ) [ الفرقان : 12 ، 14 ] الساعة ثقيلة وشهودها هول ، وليس البصير كالسميع فالبصر أحد وأنفذ . ومكانة الكافرين بعد قيام الساعة حصرهم في جهنم ، وقد قلنا إن أصلها جهنام وهي بئر بعيدة القعر ، فجهنم صورة عالم الكثافة والآفات والحجاب عن اللّه ، ولهذا وصفت بأنها مكان ضيق ، وقد ألقي الكافرون فيها مقرنين أي مصفدين ، والأصفاد إشارة إلى خواطر السوء التي هي نفسها حجاب ، فالإنسان من دون الخاطر الإلهي والخاطر الملكي وحيد في صحراء لا ماء فيها ولا شجر ولا حقيقة ولا خير ، وشعار الكافر فيها أنا ومن بعدي الطوفان ، وقانونها السائد شريعة الغاب . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 15 ] قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) [ الفرقان : 15 ] جنة الخلد إحدى الجنات ، وسبق أن ذكرناها ، وكل هذه الجنات تضيق أمام جنة العلم حيث يكون للإنسان شرف العلم بربه ، وقد دبجت يراعة الإمام الغزالي صفحات رائعة في كتابه الإحياء في وصف العلم وذكر قيمته وقيمة العلماء الذين هم تاج الإنسانية وجواهرها ودررها الخالدة . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 16 ] لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً ( 16 ) [ الفرقان : 16 ] قوله : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ يعني أن هؤلاء الكمل قد أوتوا حق التصرف في الأسماء الإلهية جمعاء بما في ذلك أسماء الجلال حتى أن البسطامي قال بطشي أشد من بطش اللّه ،